الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
76
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
بل يمكن إجراء الاستصحاب على نحو آخر ، وهو الاستصحاب الحكمي بأنّ يقال : إنّ هذا المال كان جائز التصرف للمشتري وممنوعا للبائع ، وبعد الرجوع والفسخ يشك في بقاء هذا الحكم وعدمه فيستصحب ، اللّهم إلّا أن يقال بأنّه بعد الشك في بقاء موضوع الملك لا وجه لجريانه ، فتأمل . هذا وقد يورد على الاستصحاب الشخصي هنا أولا : بأنّه لا يتمّ على مبنى القائلين بعدم حجيّته في الشك في المقتضى ، فإنّ الشك هنا في مقدار اقتضاء الملكية للبقاء وأنّه هل كان ملكا لازما له اقتضاء البقاء ولو بعد الرجوع والفسخ ، أو ملك جائز قصير عمره ؟ لكن هذا الكلام أيضا مبني على تخيل تفاوت الملك الجائز واللازم بحسب الماهية ، مع أنّه ليس كذلك كما عرفت ، بل الملك إذا حصل فإنه يبقى إلى الأبد إلّا أن يرفعه رافع ، فالشك هنا على كل حال في الرافع . وثانيا : إنّ هذا الاستصحاب محكوم لاستصحاب خيار المجلس الثابت في كل بيع . وفيه : إنّ أصالة اللزوم لا تختص بالبيع ولا بموارد ثبوت خيار المجلس ، بل هي قاعدة عامة في جميع العقود التي يشك في لزومها . مضافا إلى أنّ خيار المجلس يرتفع بافتراق المتبايعين قطعا بصريح روايات الباب ، فلو بقي الجواز بعد ذلك لبقي في ضمن حكم آخر غير حكم خيار المجلس ، فلو جرى فيه الاستصحاب كان من قبل القسم الثالث من الكلي ، وقد حقق في محله عدم حجيّته لعدم اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة فيه ، فتأمل . وثالثا : وهو العمدة في هذا الباب ، إنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية - على المختار - والمقام منها فيسقط من الاعتبار ، فلا يمكن الركون إليه في إثبات اللزوم في شيء من المعاملات بالمعنى الأعم من البيع . 2 - التمسك بآية الوفاء بالعقود وممّا استدل به لقاعدة اللزوم قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ « 1 » .
--> ( 1 ) . سورة المائدة ، الآية 1 .